ابن خلدون
129
تاريخ ابن خلدون
سنة ست وعشرين ولقيهم عقبة بن نافع فيمن معه من المسلمين ببرقة ثم ساروا إلى طرابلس فنهبوا الروم عندها ثم ساروا إلى إفريقية وبثوا السرايا في كل ناحية وكان ملكهم جرجير يملك ما بين طرابلس وطنجة تحت ولاية هرقل ويحمل إليه الخراج فلما بلغه الخبر جمع مائة وعشرين ألفا من العساكر ولقيهم على يوم وليلة من سبيطلة دار ملكهم وأقاموا يقتتلون ودعوه إلى الاسلام أو الجزية فاستكبر ولحقهم عبد الرحمن ابن الزبير مددا بعثه عثمان لما أبطأت أجنادهم وسمع جرجير بوصول المدد ففت في عضده وشهد ابن الزبير معهم القتال وقد غاب ابن أبي سرح وسأل عنه فقيل إنه سمع منادى جرجير يقول من قتل ابن أبي سراح فله مائة ألف دينار وأزوجه ابنتي فخاف وتأخر عن شهود القتال فقال له ابن الزبير تنادى أنت بأن من قتل جرجير نفلته مائة ألف وزوجته ابنته واستعملته على بلاده فخاف جرجير أشد منه ثم قال عبد الله بن الزبير لابن أبي سرح أن يترك جماعة من ابطال المسلمين المشاهير متأهبين للحرب ويقاتلون الروم بباقي العسكر إلى أن يضجروا فيركب عليهم بالآخرين على غرة لعل الله ينصرنا عليهم ووافق على ذلك أعيان الصحابة ففعلوا ذلك وركبوا من الغد إلى الزوال وألحوا عليهم حتى أتعبوهم ثم افترقوا وأركب عبد الله الفريق الذين كانوا مستريحين فكبروا وحملوا حملة رجل واحد حتى غشوا الروم في خيامهم فانهزموا وقتل كثير منهم وقتل ابن الزبير جرجير وأخذت ابنته سبية فنفلها ابن الزبير وحاصر ابن أبي سرح سبيطلة ففتحها وكان سهم الفارس فيها ثلاثة آلاف دينار وسهم الرجل ألف وبث جيوشه في البلاد إلى قفصة فسبوا وغنموا وبعث عسكر إلى حصن الاجم وقد اجتمع به أهل البلاد فحاصره وفتحه على الأمان ثم صالحه أهل إفريقية على ألفي ألف وخمسمائة دينار وأرسل ابن الزبير بالفتح والخمس فاشتراه مروان بن الحكم بخمسمائة ألف دينار وبعض الناس يقول أعطاه إياه ولا يصح وانما أعطى ابن أبي سرح خمس الخمس من الغزوة الأولى ثم رجع عبد الله بن أبي سرح إلى مصر بعد مقامه سنة وثلاثة أشهر ( ولما ) بلغ هرقل ان أهل إفريقية صالحوه بذلك المال الذي أعطوه غضب عليهم وبعث بطريقا يأخذ منهم مثل ذلك فنزل قرطاجنة وأخبرهم بما جاء له فأبوا وقالوا قد كان ينبغي أن يساعدنا مما نزل بنا فقاتلهم البطريق وهزمهم وطرد الملك الذي ولوه بعد جرجير فلحق بالشأم وقد اجتمع الناس على معاوية بعد علي رضي الله عنه فاستجاشه على إفريقية فبعث معه معاوية بن حديج ( 3 ) السكوني في عسكر فلما وصل الإسكندرية وهلك الرومي ومضى ابن حديج في العساكر فنزل قونية وسرح إليه البطريق ثلاثين ألف مقاتل وقاتلهم معاوية فهزمهم معاوية وحاصر حصن جلولاء فامتنع معه حتى سقط ذات سوره فملكه